محمد جمال الدين القاسمي

104

طبقات مشاهير الدمشقيين من أهل القرن الرابع عشر الهجري

والصدع فيما لا يلائم مزاجه وفكره ، مع أن ذلك الخلق سببه شدة الذكاء ولطف المزاج والثبات على الأحسن والأكمل وعدم النفاق ، لذا كان يرغب أن يكون معاشره وتلميذه على شاكلته ، فكان يحتد ويشتد على من يتهاون فيما لا يحبه أو يتساهل فيما لا يوافقه ، وربما أعرض عنه وهجره ، ولكنه كان سليم القلب فلا يلبث بعد هجره صاحبه أن يقبل عليه ويصافحه ويدعوه لمحله ويضيّفه ويكرمه ، وقد كان كثير الضيافات لأصدقائه وتلامذته ، يعمل لهم أحسن المطاعم حسب جهده ومشربه ، وكان لا يأكل إلا أجود المطاعم ولا يبتاع إلا أثمنها ، وله براعة في فنّ الطبخ وتفنن في إجادة ذلك ، أربى به على أربابه ، وقد عيّن له مرتب شهري من صندوق البلدية ، وكذا مرتب شهري على تدريس في الجامع الأموي بعد الظهر من جهة أحد أغنياء الأتراك ، ثم انقطع عنه المرتب الثاني فرأى قلّة الأول جدا ، ورأى أن الوظائف العلمية متسلسلة بناموس الوراثة عن الأب والجد لا بناموس الأهلية والاستحقاق ، ورأى أن الديون ركبته فأخذ يتعلم فنّ المحاماة ووكالة الدعاوي بمصاحبة نجباء أهلها ، فبرع في ذلك في أقرب وقت ، وصار يحامي في المحكمة الشرعية والمحاكم النظامية واشتهر بذلك لذكائه وقوة عارضته ، وعرف بين المحامين ورزق حظا من ذلك واتسعت دنياه عن ذي قبل ، وتزوج ، ورزق أولادا ، وزاد سخاء وجودا واختص بشؤون المحاماة ، وقصد للمراجعة في معضلاتها واستفادة المخارج من الدعاوي العسيرة . وكان يحدثني بغرائب من تقصيه في مضايق يحار لها اللبيب الألمعي ، وكانت عنده على طرف الثّمام وكان أوحد خلاني